يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

57

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وقد وفق اللّه أهل السنّة وسددهم وهداهم إلى الطريق الأوسط وأرشدهم ، فجمعوا بين الأمرين وألفوا بين القولين فأحكموا الأمور وسددوا رباطها ، وكان خير الأمور أواسطها ، وقد تهدى المعري لهذا المعنى فقال : لا تعش مجبرا ولا قدريّا * واجتهد في توسط بين بينا قال ابن السيد رحمه اللّه في شرحه المجبرة والقدرية : كلاهما في عقيدته واصف ربه بغير صفته ، لأن القول بالإجبار يبطل التكليف والأمر والنهي ويوجب أن لا يكون للفاضل مزية على الناقص ولا للمطيع مزية على العاصي ، لأن كل واحد منهما مجبر على ما هو فيه . وقد أبطل اللّه تعالى هذه الدعوى في مواضع كثيرة من كتابه كقوله : لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] وقوله : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ يونس : 44 ] . والقول بالقدر يوجب تجهيل الباري تعالى بأمر عالمه وعجزه عن نفوذ مشيئته فيهم ، وأن العباد يفعلون ما لم يتقدم له علم به قبل كونه ، وكلا هاتين الصفتين لا يليق بمن شهدت العقول السليمة بأنه أحكم الحاكمين وأنه موصوف بالكمال مبرأ من جميع النقص وأن كل موجود واقع تحت أمره ، متصرف تحت حكمه ، وقد شهدت نصوص الشرع بمثل ذلك . كقوله تعالى : وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] وقوله : * وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [ الأنعام : 111 ] . وقد روي عن جعفر الطيار رضي اللّه عنه أن فلانا قال له : العباد مجبورون . فقال له : اللّه أعدل من أن يجبر عبده على معصيته ثم يعاقبه عليها . فقال له السائل : فأمرهم مفوّض إليهم . فقال له جعفر : اللّه أعز من أن يجوز في ملكه ما لا يريد . فقال له السائل : كيف هذا ؟ فقال : أمر بين الأمرين لا إجبار ولا تفويض . انتهى كلامه . قال : إنما رضا اللّه تعالى للجميل لا للقبيح وإرادته لهما جميعا . تعالى اللّه أن يكون في ملكه ما لا يريد ، ويشهد لهذا المذهب قول علي رضي اللّه عنه : الأعمال ثلاثة : فرائض وفضائل ومعاصي . فأما الفرائض فبأمر اللّه وبقدر اللّه واختيار اللّه وبحب اللّه وتخصيص اللّه . وأما الفضائل فبترغيب اللّه لا بأمر اللّه وبقدر اللّه واختيار اللّه تعالى